المرأة السوريّة والنزوح (2): واقع ومشكلات

0

أوّلًا: مقدّمة

ألقى النزوح بثقله على الفئات الاجتماعيّة كافّةً، فهو اقتلاعٌ قهريٌّ من المنزل والعمل وشبكة العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، إلّا أنّ المرأة السوريّة النازحة تعدّ من أكثر الفئات تضرّرًا. فهي تتشارك مع باقي الفئات في الشتات والألم النفسيّ وذاكرة العنف المخزونة الناتجة من الحرب، لكن هي تختلف عنهم بحجم المسؤوليّات التي ألقيت على كاهلها بعد النزوح، ولاسيّما أنّ معظم النساء النازحات نزحن عن ديارهنّ من دون مرافقٍ أو معيل. فها هي المرأة النازحة اليوم تدخل ميدان العمل وتتحمّل مسؤوليّة الأسرة بشكلٍ كامل، حيث أصبحت تقوم بواجباتها كأمٍّ وفي الوقت ذاته تمارس دور الأب المعيل، هذا بالنسبة إلى المرأة الأمّ. أمّا المرأة غير المتزوجة فهي الأخرى تعاني من مشكلاتٍ اجتماعيّةٍ كثيرة، على رأسها مشكلة انعدام فرص الزواج.

ثانيًا: المرأة النازحة والعمل

دخلت المرأة السوريّة النازحة سوق العمل، وهي غالبًا ما نزحت عن بيئةٍ اجتماعيّةٍ تقسّم الأعمال وفق الجنس؛ فتحصر العمل خارج المنزل بالرجل، بينما هي تتولّى رعاية أسرتها وإدارة شؤون المنزل. لا بل أكثر من هذا، ففي بعض المناطق لا يقف الأمر عند تقسيم الأعمال، بل يتجاوزها إلى رفض عمل المرأة خارج المنزل. إلّا أنّه بعد النزوح اختلفت ظروف المرأة السوريّة، فمعظم النساء أصبحن من دون معيل، وإن وجد المعيل، فغالبًا لا يمكنه العمل إمّا بسبب إصابته جرّاء الحرب، أو لعدم توفّر فرص عمل في منطقة الإقامة، فضلًا عن ازدياد أعباء الحياة المعيشيّة ونفاد المدّخرات خلال ستّ سنواتٍ من الحرب. هذا كلّه دفع المرأة إلى سوق العمل لتأمين معيشة أسرتها وسدّ الفراغ الحاصل عن غياب المعيل أو عدم قدرته على تأمين فرصة عمل.

لكنّ دخول المرأة النازحة إلى سوق العمل كان محفوفًا بالمشكلات والصعوبات، وأهمّها:

  • زيادة الأعباء على المرأة النازحة: فالمرأة النازحة في ظلّ ظروفها الصعبة ازداد حجم مسؤوليّاتها، وأصبحت تنوء تحت وطأة أعباءٍ كثيرة؛ فمهمّتها لم تعد محصورةً داخل المنزل (أعمال المنزل، ورعاية الأطفال وتعليمهم، وإدارة شؤون البيت…)، بل تجاوزتها إلى مسؤوليّاتٍ أخرى وأعباءٍ أخرى، فهي اليوم تعمل خارج المنزل وتعود إليه لتقوم بواجباتها التقليديّة تجاهه. والغريب أنّ معظم النساء العاملات اللواتي قابلناهنّ ممّن لديهم معيل، قالوا إنّ الزوج لا يساعد في أعمال المنزل ولا يزال يرى أنّ هذه الأعمال موكلةٌ إلى المرأة على الرغم من مساعدتها إيّاه في تأمين مصروف الأسرة، وأحيانًا هي التي تتكفّل بمصروف الأسرة كلّه، بينما يكون الزوج عاطلًا عن العمل. تقول “أمّ حسين”: “أنا متعبةٌ جدًّا، أبقى واقفةً من الساعة الثامنة صباحًا حتى الساعة الثانية بعد الظهر أبيع الخبز في الأزقّة، ثمّ أعود إلى منزلي لأطبخ لأطفالي وأقوم بواجباتي المنزليّة بمفردي، بينما زوجي عندما يأتي من عمله يبقى يحتسي الشاي ويدخّن فهو يرى أنّ ما أقوم به هو واجبي أنا وحدي وليس من واجباته”.

إلّا أنّ الصورة ليست بهذا السوء كلّيًّا، فقد شعرت بعض النازحات أنّ الزوج بدأ بتقبّل واقعها الجديد كمرأةٍ عاملةٍ وأخذ يساعدها في أعمال المنزل وتربية الأطفال.

  • ظروف العمل وطبيعة المهن: معظم النساء السوريّات اللواتي نزحن إلى المناطق الأكثر أمنًا لا يملكن خبراتٍ في العمل نتيجة عدم تقبّل مجتمعاتهنّ التي نزحوا عنها لفكرة عمل المرأة خارج المنزل، ومن ثمّ عدم وجود خبراتٍ سابقة، إضافة إلى عدم حيازة معظمهنّ مؤهّلاتٍ أو شهاداتٍ علميّةً تمكّنهم من الحصول على أعمالٍ ذات شروطٍ أفضل. فأخذت الأعمال التي مارسنها طابع الصعوبة والإجهاد، وفي بعض الأحيان كانت أعمالًا “مهينة” وفق نظرة السلّم القيميّ الاجتماعيّ الدارج والموروث الشعبيّ. فالمرأة التي تزاول مهنة تنظيف البيوت لا يزال المجتمع التقليديّ يطلق عليها اسم “خادمة”، وهي مهنةٌ لا يزال ينظر إليها الموروث الشعبيّ والاجتماعيّ على أنّها مهنةٌ “وضيعة”. وتدرّجت الأعمال في مجملها بين أعمال التنظيف وبيع الخبز وبيع الملابس المستعملة، وبيع المعونات على الأرصفة أو العمل في المحالّ التجاريّة أو المطاعم. ونتيجة حاجة هؤلاء النسوة تعرّضت بعضهنّ في سوق العمل إلى الاستغلال، من حيث طول مدّة العمل والأجور المتدنّية، وفي بعض الأحيان التحرّش الجنسيّ. تقول “صفاء”: “أذهب إلى محلّات “البالة” (الملابس الأوروبيّة المستعملة) وأشتري بعض الملابس الرجاليّة حصرًا، لأنّي لا أرغب في بيع الملابس للنساء؛ لأنّهنّ يناقشن كثيرًا في الأسعار، بينما الرجال يشترون منّي من غير كثير عناء عندما أجلب لهم القطع بعد أن أغسلها وأكويها فتبدو كالملابس الجديدة بل أفضل. إلّا أنّني أثناء عملي تعرّضت إلى تحرّشٍ لفظيّ”.

وبعض النساء نقلن عملهنّ في المطبخ ليكون عملهنّ خارج البيت، وقد استفدن من خبرتهنّ في الطبخ، فنقلن بعض المأكولات من بيئتهنّ الأصليّة إلى البيئة المستحدثة. كما عادت بعض النازحات إلى وظائفهنّ قبل نزوحهنّ، وهنّ ممّن يملكن مؤهّلاتٍ علميّةً أو استطعن أن يخرجن معهنّ عند النزوح وثائق وشهادات تؤكّد خبرتهنّ أو تحصيلهنّ العلميّ.

ثالثًا: المرأة النازحة والأسرة

يعاني النازحون قبل خروجهم من ديارهم من ظروفٍ مأسويّة، فهم هجّروا قسريًّا نتيجة أهوال الحرب والخوف على حياتهم من خطرٍ حقيقيّ يهدّدها، وغالبًا ما شاهدت تلك الأسر قبل نزوحها وفي أثنائه الويلات، من قتلٍ ودمارٍ وخوفٍ، وبعضها فقدت معيلها، ومعظمها فقدت أحد الأقارب أو الأصدقاء. وأثناء النزوح تعرّضت تلك الأسر للتنكيل من حواجز النظام المنتشرة على الطرقات، ومن الألغام التي زرعها تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) في مناطق سيطرته، ومن جشع المهرّبين، ولا يمكن حصر المعاناة والصعوبات التي عانتها تلك الأسر أثناء رحلة نزوحها، إلّا أنّه يمكن اختصارها بتعرّضها إلى الكثير من الخوف والخطر والابتزاز.

هذه الظروف وغيرها أثّرت على الصحّة النفسيّة لتلك الأسر، ولاسيّما المرأة الأمّ التي تتحمّل الجزء الأكبر في هذه المعاناة، فهي الآن مسؤولةٌ غالبًا عن أمن أسرتها وتأمين لقمة العيش لها، وتربية الأطفال وضبط سلوكهم، وتعليمهم والحرص الممزوج بالخوف على مستقبلهم. كلّ هذا زاد من الأعباء الملقاة على عاتق المرأة؛ فهي مسؤولةٌ خارج منزلها وداخله من دون معينٍ لها غالبًا، وهو ما أدّى في بعض الأحيان إلى أمراضٍ اجتماعيّةٍ أصابت تلك الأسر. تقول “أمّ عامر”: “منذ ستّ سنواتٍ ونحن نعاني من الدمار والقتل والتهجير، ومن ذلك الوقت وأنا لا أفكّر في ذاتي ولا في سعادتي ولا أهتمّ بلباسي ومظهري. ما يشغلني هو متى نعود، وكلّ شيءٍ مؤجّلٌ إلى أن يتحقّق ذلك”.

ويبدو واضحًا أثر الحرب والنزوح على الأسرة النازحة، فالأطفال غالبًا ما يعانون من عدم شعورٍ بالأمان، ومن الاضطراب والقلق والنوم غير المنتظم، ما يولّد لديهم كثيرًا من المشكلات النفسيّة والفيزيولوجيّة، ويتّضح ذلك في انخفاض مستواهم التعليميّ وعدم قدرتهم على تكوين شبكة علاقاتٍ في الوسط الجديد. والرجال، إن وجدوا مع أسرهم، غالبًا ما يعانون أيضًا من أثر الحرب على أجسادهم أو نفسيّتهم، إضافة إلى ضيق العيش وقلّة فرص العمل، بينما المرأة تحاول أن تحقّق توازنًا في الأسرة، لكن غالبًا ما تفشل في تلك المهمّة، لأنّها ليست بحالٍ أفضل من حال أسرتها من حيث التعب النفسيّ والجسديّ، لا بل عليها أعباءٌ مضاعفةٌ كما أسلفنا. كلّ هذا أدّى إلى مشكلاتٍ أسريّةٍ تمثّلت في زيادة مستوى العنف الأسريّ بين الأبناء من جهة، وبين الزوجين من جهةٍ أخرى؛ فالأبناء ونتيجةً لمشاهد العنف التي شاهدوها أو وقعت عليهم أو على أحد المقرّبين منهم، وعدم الشعور بالأمان أو الرعاية في بعض الأحيان، وعدم قدرتهم على التكيّف مع الواقع الجديد أو الوسط المحيط، بدؤوا بتدوير العنف المخزون لديهم وبدا هذا ظاهرًا على سلوكهم الذي اتّسم بالعدوانيّة وعلى أدوات لعبهم وطبيعة ألعابهم. هذا الواقع للأبناء خلق صعوبةً في تعامل الأمّ معهم في الدرجة الأولى، فأصبحت غير قادرةٍ على ضبط سلوكهم أو التحكّم بردّات فعلهم، ما أدّى في كثيرٍ من الأحيان إلى مشكلاتٍ أسريّةٍ تمثّلت في زيادة العنف الأسريّ وتراجع المستوى التعليميّ للأطفال. تقول “أمّ عامر”: “لديّ خمسة أبناء، صبيّان وثلاث بناتٍ، تتدرّج أعمارهم بين تسع سنواتٍ وخمس عشرة سنة. أبو عامر دائم العصبيّة والتذمّر ويقوم بتعنيف الأطفال ويضربهم ضربًا مبرّحًا لأنّهم يتعاركون بشكلٍ دائمٍ ويتراجعون في المدرسة. ومعظم مشكلاتي أنا وزوجي مردّها تربية الأطفال ومشكلاتهم، فهو يردّ فشلهم وسوء تربيتهم إلى تقصيرٍ منّي، بينما أرى أنّني أقوم بواجباتي نحوهم، ولكن على ما يبدو أنّ الأمر أصبح فوق استطاعتي ولم أعد قادرةً على ضبط سلوكهم. الآن ازداد التوتّر والعنف داخل البيت كثيرًا عند الأولاد وعند زوجي، وأنا أحيانًا أجد نفسي أجاريهم بهذا السلوك من دون أن أنتبه إلى نفسي. في الحقيقة صار الوضع لا يطاق”.

أمّا بالنسبة إلى علاقة الزوجين، فقد أثّر النزوح عليها بشكلٍ كبيرٍ، وذلك بسبب الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والنفسيّة التي تعيشها الأسرة؛ فقد شهدت تلك العلاقة، بحسب بعض النساء اللواتي قابلناهنّ، توتّرًا شديدًا وصل إلى الطلاق في بعض الأحيان. ومردّ هذا التوتّر الذي أصاب العلاقة الزوجيّة هو اضطرار الأسرة إلى تغيير نمطها الاجتماعيّ تماشيًا مع الواقع الطارئ، ومن ثمّ تغيير سلّمها القيميّ الاجتماعيّ، مثلًا انتقلت المرأة في بعض الأسر من ربّة منزل إلى امرأةٍ عاملة، وهو ما أدّى إلى تغييرٍ في طبيعة علاقاتها ومهمّاتها ووجودها في المنزل وأحيانًا أثّر على طبيعة عملها كـ “ربّة منزل”، وقد خلق هذا حساسيّة –غالبًا- مع الزوج. إضافةً إلى أنّ الزوج قد وقعت عليه آثار الحرب النفسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وهو يعاني أيضًا من قلّة فرص العمل أو انعدامها، وإن كان يعمل يعاني من انخفاض الأجور التي لا تستطيع تغطية نفقات الأسرة، فغالبًا ما يتولّد لديه شعورٌ بالنقص يفرّغه من خلال العنف الأسريّ، ولاسيّما مع الزوجة. تقول “أمّ حسين”: “أنا لست سعيدةً في حياتي الزوجيّة، وعلى الرغم من تعبي خارج المنزل وطبيعة عملي المجهدة، إلّا أنّني مؤخّرًا صرت أرتاح في العمل أكثر من البيت، لأنّ زوجي دائم الصراخ والتململ والتأفّف. إضافة إلى أنّه يضرب الأطفال بعنفٍ، وأحسّه أحيانًا يثأر منّي وكأنّي السبب في ما نحن فيه، وهو دائمًا يقول “كله منك” مع العلم أنّه يعرف في قرارة نفسه أنّ لا حول لي ولا قوّة.

رابعًا: المرأة النازحة والمجتمع

دخلت المرأة النازحة إلى مجتمعٍ جديدٍ عليها من حيث العادات والتقاليد، وأحيانًا الطقوس الدينيّة، ولاسيّما في المناطق التي تقطنها الأقليّات الدينيّة، فأصبحت أمام استحقاقاتٍ عليها مواجهتها، تتلخّص في:

  • التكيّف الاجتماعيّ: لم يكن النزوح في معظمه حدثًا مخطّطًا له، بل كان حدثًا فجائيًّا، هربًا من الموت والخطر. فكثيرٌ من النازحين وجدوا أنفسهم في بيئاتٍ اجتماعيّةٍ لا تشبه النمط الاجتماعيّ الذي اعتادوا عليه من حيث الملبس ونمط العيش والسلّم القيميّ وغيره. هنا في ظلّ هذا الواقع الجديد، صار لزامًا عليهم محاولة التكيّف والاندماج في الوسط الاجتماعيّ الجديد، ولاسيّما أنّهم انعزلوا عن الشبكات الاجتماعيّة في بيئتهم الأمّ ومعظم هذه الشبكات قد تفكّكت نتيجة واقع الحرب والنزوح. وأكثر مَن شعر بهذا الفارق هي المرأة التي تتمحور حولها المحرّمات في المجتمع التقليديّ الضاغط وتقع تحت وطأة ثقلها، ولاسيّما أنّها الآن دخلت سوق العمل ما يفرض عليها الاحتكاك بالمجتمع بشكلٍ مباشرٍ فهي لم تعد حبيسة المنزل. واختلف مستوى قدرة المرأة النازحة على التكيّف، بحسب النساء اللواتي قابلناهنّ، فبقيت بعضهنّ ضمن دائرة الأعراف والتقاليد والنمط الاجتماعيّ الذي حملنه معهنّ من بيئتهنّ الأصليّة، و حاولت بعضهنّ تعديل النمط الاجتماعيّ ليتكيّف مع المجتمع المضيف. تقول “عفاف”: “عندما نزحنا أنا وأمّي وأخواتي وأخي الصغير عن ريف دمشق إلى مدينة السويداء، عملت في أحد محلّات الحلويات وكنت مضطرّةً للتعامل مع الزبائن ومع عمّال المحلّ. في البداية كنت منطويةً على نفسي بعض الشيء، حيث وجدتُ اختلافاتٍ كثيرةً من حيث طبيعة المجتمع واللباس والعادات الاجتماعيّة، لكن شيئًا فشيئًا اعتدت على هذا النمط الاجتماعيّ، وبدأت أتكيّف معه”.
  • مشكلة الزواج: كثيرٌ من الفتيات النازحات هنّ في سنّ الزواج، ومعظمهنّ من بيئاتٍ ريفيّةٍ تفضّل الزواج المبكر. ونتيجة لظروف الحرب والنزوح وانعكاساتها على المجتمع والفرد، فقدت تلك الفتيات الأمل في إمكان إنشاء أسرة؛ فالرجال ضمن بيئتهم التي نزحوا عنها إمّا مشغولون بالحرب وإمّا غير قادرين على تكوين أسرة، هذا إضافة إلى مقتل واعتقال وتغييب وهجرة الكثيرين منهم. في المقابل يصعب على المرأة الارتباط أو إنشاء علاقةٍ زوجيّةٍ في البيئة المضيفة، ولاسيّما في البيئات المختلفة بسلّمها القيميّ والاجتماعيّ، وحتى المختلفة دينيًّا في بعض الأحيان. هنا تكمن مشكلة الفتاة التي في سنّ الزواج والتي ترى أنّ مرور الوقت وهي عزباء ليس في صالحها، خوفًا من أن تصبح في سنّ العنوسة، وتصبح غير قادرةٍ على الإنجاب. تقول “عفاف”: “أصبحت في سنّ السادسة والعشرين ولم يأتِ نصيبي بعد، وفي منطقتنا تعدّ المرأة في هذا السنّ على أبواب العنوسة. أتمنى أن يكون لديّ أطفالٌ وأسرةٌ إلّا أنّه ضمن هذا الواقع صار الحديث عن هذا مجرّد حلم؛ فضمن المجتمع هنا لا فرص للزواج لأسبابٍ دينيّةٍ واجتماعيّة، ولا أعرف إن كنّا سنعود إلى منطقتنا، هذا إن كان في العمر بقيّة”.

 

خامسًا: خاتمة

المرأة السوريّة هي خزّان الألم، حقيقة وليس مجازًا؛ فهي تعرّضت لأهوال الحرب ثمّ التهجير ورحلة النزوح القاسية لتصل في النهاية إلى بيئةٍ جديدةٍ تبدأ فيها حياتها من الصفر، وكأنّها ولدت للتوّ ولكن ليست كصفحةٍ بيضاءَ بل صفحةٍ معبّأةٍ بالذكريات السيّئة عن حربٍ تركت أثرها في جسدها وبنيتها النفسيّة وواقعها الاجتماعيّ والأسريّ والاقتصاديّ. وعلى الرغم من هذا كلّه -غالبًا- لم تستسلم، بل دفعتها إرادة الحياة إلى العمل وتحدّي الأخطار والمشكلات ومواجهتها. إلّا أنّ واقع المرأة النازحة التي تعاني ما تعانيه ويقع عليها الآن العبء الأكبر في مجتمع النزوح، من المفترض أن يحرّك لدى المؤسّسات المدنيّة والمنظّمات الدوليّة عملًا جدّيًّا باتجاه مشاريع لتمكين المرأة من مواجهة هذه الظروف القاسية والمأسويّة عبر برامج دعمٍ نفسيّ وبرامج تنمية لخبراتها، إضافة إلى تقديم الدعم المادّيّ والمعنويّ لها. وإذا كانت هذه المنظّمات جادّة في نشر الثقافة المدنيّة وثقافة اللاعنف وثقافة الحياة، والمساهمة في بناء مجتمعاتٍ صحيحةٍ وصحّيّة، عليها البدء بالمرأة عصب الأسرة والمجتمع.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: