من “الخالديّة إلى “السويداء”

0

“محمد” (35 عامًا) من حيّ “الخالديّة” في مدينة حمص، شارك في المظاهرات السلميّة وهتف للحرّيّة. يقول محمد: كنّا نهتف للحرّيّة ملء حناجرنا وكنّا نشعر بأنّها قريبةٌ أكثر من ظلّنا إلينا، لم نتخيّل قط أنّ بيوتنا ستدمَّر وأنّنا سنشرَّد ونُعتقل ويُقتل أهلنا لأنّنا نطالب بحرّيّتنا وكرامتنا فحسب. يتابع “محمد” والغصّة في حلقه: في البداية كانت هناك مجموعاتٌ من “الشبيحة” يقودها “أبو علي الأشقر” كانت تنكّل بالمتظاهرين وتقمعهم وكان الأمر محمولًا بعض الشيء، إلّا أنّه مع دخول الجيش إلى حيّ “الخالديّة” ومعه آلته الحربيّة صار الوضع كارثيًّا؛ حيث ارتفعت وتيرة العنف وازداد معدّل القتل وأصبح السكّان كلّهم مهدّدين بحياتهم في ظلّ حصارٍ خانق. هنا بدأ النزوح عن حيّ “الخالديّة” يأخذ طابع النزوح الجماعيّ.

يأخذ “محمد” شهيقًا طويلًا، وبعدها يُخرج الهواء من صدره وكأنّ حريقًا اندلع داخله، ويتابع: كنت أشعر أنّ رجعتنا قريبةٌ وخروجنا من الحيّ مؤقّت. كانت مشاعرُ موجعةٌ تختلجني عند خروجي برفقة زوجتي وطفلتي، يختلط فيها شعوري باحتقار ذاتي لأنّني تركت خلفي رفاق الثورة وأطفالًا ونساءً وشيوخًا لا يزالون في الحيّ، مع شعوري بأنّي يجب أن أحافظ على حياة أسرتي بأيّ ثمن. إلّا أنّي خرجت مكسورًا منهزمًا مرغمًا، وهو شعورٌ لا يزال يرافقني إلى الآن بعد خمس سنوات.

يواصل “محمد” سرد حكايته، إلّا أنّ سرده لم يكن سلسًا بل كان كمن يتلقّى الطعنات وهو يتكلّم: وصلنا إلى “السيّدة زينب” في دمشق، حيث كانت بعض الفنادق تستقبل نازحي حمص مجّانًا أو بأسعارٍ رمزيّةٍ. كانت المدينة ذات طابعٍ إيرانيٍّ، ويظهر هذا من خلال اللباس والصور المعلّقة في الشوارع وغيرها من المظاهر. وعند دخولنا الفندق تفاجأنا بكتيّباتٍ وصورٍ موجودةٍ في الغرف تحمل رموزًا ودلالاتٍ دينيّةً شيعيّة. وعلى الرغم من محبّتي لسبط الرسول (الحسين) إلّا أنّ المشهد استفزّني كثيرًا حينها، وشعرت بأنّني أكاد أختنق. ويضيف “محمد”: لم أتحمّل كثيرًا هناك، فقرّرت أن أتّجه برفقة أسرتي إلى محافظة السويداء، بعد أن أخبرني قريبٌ لي أنّ الوضع في السويداء أفضل من الوضع الذي أنا فيه، وأنّ الناس هنا طيّبون على خلاف الصورة التي كانت سائدةً لدينا آنذاك. بالفعل انطلقنا إلى محافظة السويداء، وقبل وصولنا اعترضتنا الحواجز المنتشرة على الطريق واستمرّت رحلة إذلالنا؛ حيث قام عناصر الحواجز بتفتيشنا بطريقةٍ مذلّةٍ، وتركونا لساعاتٍ نفترش الأرض قبل أن يسمحوا لنا بالعبور. وعلى الرغم من أنّهم يعلمون أنّنا نازحون ولا نملك شيئًا إلّا أغراضنا الشخصيّة التي استطعنا إخراجها معنا، إلّا أنّهم حاولوا ابتزازنا وسرقة أغراضنا.

يتابع “محمد”: “أنا الآن في مدينة السويداء، ووضعي لا يختلف كثيرًا عن جيراني من سكّان الحيّ الأصليّين؛ فصعوبة العيش والفقر والبطالة والفوضى هي سمةٌ عامّةٌ في المجتمع ويعاني منها السكّان الأصليّون للمنطقة والوافدون إليها على حدٍّ سواء. إلّا أنّ النازح يبقى مقتلعًا من بيئته ووسطه الاجتماعيّ، كما تبقى ذاكرته مليئةً بمشاهد العنف والخوف والألم، وروحه تنفطر على فراق أحبابه وداره ورفاقه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: