ريف دمشق في دائرة النزوح مجدّدًا

0

شهدت بلدات الغوطة الشرقيّة مؤخّرًا تصعيدًا في العمليّات العسكريّة، ترافق مع قصفٍ هستيريٍّ من قوّات سلطة الأسد بالصواريخ والمدفعيّة والذخائر المحرّمة دوليًّا، ما أدّى إلى مقتل وجرح العشرات في غضون أيّامٍ قليلة. حيث وثّق الدفاع المدنيّ في الغوطة الشرقيّة في إحصاءٍ صادرٍ عنه، الثلاثاء 2 كانون الثاني/ يناير الجاري، 38 قتيلًا، بينهم ثمانية أطفالٍ وثلاث نساء، في حين وصل عدد الجرحى إلى 147 جريحًا بينهم 39 طفلًا و26 امرأة. كما وثّق سقوط نحو 721 قذيفةً مدفعيّةً و85 صاروخَ “أرض ــ أرض” و11 صاروخًا عنقوديًّا، إضافة إلى أنّ الطائرات الحربيّة شنّت نحو 151 غارةً جوّيّة. وكلّ هذا خلال أربعة أيّامٍ فقط من 29 كانون الأوّل/ ديسمبر حتى 1 كانون الثاني/ يناير.

ففي تاريخ 29 كانون الأوّل/ ديسمبر تعرّضت ناحية “النشابيّة” لاقتحامٍ من قوّات سلطة الأسد من جهة قرية “البلاليّة”. وفي اليوم التالي تعرّضت منطقة المرج لقصفٍ عنيفٍ بالسلاح الثقيل والطيران امتدّ على كامل المنطقة (النشابيّة ومزارع البلاليّة وأطراف القاسميّة والزريقيّة وحوش الصالحيّة وأوتايا، وغيرها من القرى والبلدات)، ما أدّى إلى مقتل 23 شخصًا وإصابة 43 شخصًا آخرين في منطقة “المرج” شرق العاصمة السوريّة (دمشق)، خلال يومي الجمعة والسبت 29- 30 كانون الأوّل/ ديسمبر، بحسب المكتب الإغاثيّ الموحّد في الغوطة الشرقيّة – قطاع المرج. إضافة إلى نزوح 920 عائلةً عن المنطقة خلال هذه الفترة؛ حيث توجّهت معظم العائلات إلى “القطاع الأوسط” الذي يضمّ مدن وبلدات (حمورية وجسرين وسقبا وعين ترما وزملكا وكفر بطنا وعربين وحزة وبيت سوى ومديرا والمحمدية والأشعري والأفتريس)، بينما توجّه بعضها إلى مدينتي “دوما” و”مسرابا”، ولا يزال النزوح مستمرًّا حتى إعداد هذا التقرير بسبب استمرار القصف والعمليّات الحربيّة.

كما استهدفت قوّات سلطة الأسد النازحين أثناء نزوحهم عن منطقة “المرج” بالقصف، ومنه استهداف النازحين عن “المرج”، الجمعة 30 كانون الأوّل/ ديسمبر، بالقصف، ما أدّى إلى إصابة امرأةٍ وقتل طفلتها. وقال ناشطون من الغوطة الشرقيّة إنّ طيران الأسد رصد الطرقات الرئيسة واستهدفها، ما جعل الأهالي ينتظرون حلول الظلام كي يغادروا مواقعهم، سالكين طرقًا زراعيّةً موحلةً ووعرةً سيرًا على الأقدام ممّا زاد من معاناتهم.

وعن المناطق التي شهدت نزوحًا خلال الحملة العسكريّة الهمجيّة التي شنّتها سلطة الأسد وحلفاؤها، قال الناشط الإعلاميّ في الغوطة الشرقيّة، أبو زاهر إياد، لمجلّة “أصوات”: إنّ “مناطق المرج والقطاع الجنوبيّ للغوطة الشرقيّة (زبدين ودير العصافير وبالا ومرج السلطان وشبعا والنشابيّة وحتيتة التركمان وحتيتة الجرش والزمانيّة وبيت نايم) شهدت نزوحًا جماعيًّا باتّجاه بلدات القطاع الأوسط كفر بطنا وسقبا وحزة وعين ترما وزملكا وحمورية وجسرين”.

ويعيش النازحون ظروفًا إنسانيّةً سيّئة، فهم خرجوا من منازلهم لا يحملون معهم سوى ملابسهم التي على أجسادهم، إضافة إلى أنّ الغوطة تعيش حالة حصارٍ خانقٍ منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2013، بما فيها المناطق التي نزحوا إليها في القطاع الأوسط، ما أدّى إلى شحٍّ في الموادّ الأساسيّة كالغذاء وحليب الأطفال وموادّ التدفئة وغيرها من الاحتياجات الوجوديّة. كما أنّ العائلات التي استضافت بعض النازحين هم نازحون كانوا قد نزحوا عن المنطقة نفسها في وقتٍ سابقٍ وحالهم لا يختلف كثيرًا عن حال النازحين الجدد. والعائلات التي استأجرت البيوت تعاني من غلاءٍ في تكلفة الإيجار إضافة إلى الأعباء المادّيّة الأخرى. وبعض العائلات نصبت الخيام أو دخلت المخيّمات العشوائيّة المنتشرة في مدن وبلدات “الشيخ فضيل” و”بيت سوى” و”حمورية” و”مزرعة حوش الأشعري”. وغالبًا ما يتشكّل المخيّم من تجمّع عددٍ من العائلات التي تجمع بينها روابطُ عائليّةٌ أو علاقاتُ صداقةٍ أو جوار. وتتغيّر أماكن تلك المخيّمات تبعًا لخريطة العمليّات العسكريّة التي تقوم بها سلطة الأسد وحلفاؤها، وهي تعاني من شحّ المساعدات ومن ظروفٍ إنسانيّةٍ سيّئة. يقول “أبو زاهر”: إنّ “النازحين خرجوا بملابسهم التي يرتدونها على أجسامهم فحسب، محرومين حتى من نقل بعض الموادّ الأساسيّة كالبطانيات بسبب شدّة القصف الذي طالهم وهم في طريقهم إلى المناطق التي التجؤوا إليها”. ويضيف “أبو زاهر”: أنّ “بعض النازحين التجؤوا إلى مخيّماتٍ صغيرةٍ في منطقة الأشعري، أو إلى أبنيةٍ سكنيّةٍ تعرّضت للقصف ولا تصلح للسكن”.

والجدير ذكره أنّ الغوطة الشرقيّة كانت قد شهدت أربع محطّات نزوحٍ رئيسةٍ داخل الغوطة الشرقيّة في وقتٍ سابق:

1- النازحون عن البلدات الجنوبيّة (المليحة وزبدين ودير العصافير وحتيتة التركمان)، وقدّر عددهم بـ 25 ألف شخص.

2- النازحون عن المنطقة الشرقيّة ومنطقة “المرج”، وقدّر عددهم بـ 40 ألف شخص. وكانت قد شهدت هذه المنطقة أشرس حملة تدميرٍ ممنهجٍ من سلطة الأسد وحلفائها في عام 2016.

3- النازحون عن الأحياء الشرقيّة للعاصمة دمشق (جوبر وبرزة وتشرين والقابون)، ويقدّر عددهم بـ 8000 شخصٍ. والجدير بالذكر أنّ هذه الأحياء تتّصل جغرافيًّا مع الغوطة الشرقيّة، والتي كانت ملجأً لأبناء الغوطة قبل الحملة الأخيرة عليها في بداية عام 2017، والتي أدّت إلى تهجير سكّانها.

4- النازحون عن بلدة “حزّة”، وأطراف بلدتي “مديرا” و”الأشعري” جرّاء الاقتتال الذي نشب بين جيش الإسلام من جهةٍ، وجبهة النصرة وفيلق الرحمن من جهةٍ أخرى، في نيسان/ أبريل من العام الجاري، وأيضًا في التاريخ نفسه من العام الذي سبقه. هذا الاقتتال الذي أدّى إلى شرخٍ في النسيج المجتمعيّ ونزوحٍ داخليٍّ بين مدن وبلدات الغوطة، تبعًا لأماكن سيطرة الفصائل، ولم يعد الأهالي يستطيعون التنقّل بحرّيّةٍ لرؤية أقاربهم وأصدقائهم، وقسّمت الغوطة إلى قطاعاتٍ تبعًا لخريطة سيطرة الفصائل.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: