اللاجئات السوريّات في بلدان الجوار بين الواقع المرير وحلم العودة

0

اللجوء هنا، في لبنان والأردن ومصر، لا يشبه اللجوء هناك في أوروبا، على الرغم من أنّ كليهما لجوءٌ! هذا هو الاعتقاد الذي يتشكّل عند أيّ متتبّعٍ لأحوال اللاجئات في بلدان الجوار اللواتي اضطررن لترك منازلهنّ وبلدهنّ هربًا من موتٍ محقّقٍ، وطمعًا بشبه حياة، من دون أن يملكن ترف الحلم أو الجرأة على محاولة الهرب إلى أوروبا.

ففي الوقت الذي تحصل فيه اللاجئات السوريّات إلى أوروبا على الضمانات الأساسيّة للحياة، تعاني اللاجئات إلى دول الجوار من ظروف عيشٍ غير إنسانيّة، تبدأ بالسكن في خيمةٍ أو في منزلٍ ينقصه كلّ شيءٍ، ولا تنتهي عند التعرّض للعنف بأشكاله كلّها.

فالنساء اللاجئات مجبراتٌ على تلبية احتياجات الأسرة من طبخٍ وتنظيفٍ في مسكنٍ قد لا يتوفّر فيه حتى صنبور مياه، ولا يضمن أدنى شروط الخصوصيّة، ممّا يجعل من ارتداء ملابسهنّ كاملة خيارًا وحيدًا من دون أن تمتلك أجسادهنّ أيّ فرصةٍ لتتنفّس قليلًا. كما يتعرّضن للتمييز خلال تقديم المساعدات، وأحيانًا للتحرّش من مقدّمي هذه الإعانات، فالجمال هنا هو «جواز تقرّب» ممّن يتحكّمون بلقمة الخبز، لكن مع انعدام القدرة على التحكّم بالخطوط الحمراء التي تفصل بين الرغبة بالتقرّب والإجبار عليه. كما يعانين من ازدياد العنف الأسريّ الذي ترتفع وتيرته بحجّة أنّ «الرجال مضغوطون» فتصبح النساء أداةً «لفشّ الخلق»، وما عليهنّ إلّا التحمّل! أمّا المجتمع المحلّيّ الجديد، فله قصصٌ مع أولئك اللاجئات، من رفضٍ لهنّ لأنّهنّ «خطيراتٌ» على الرجال إلى نظرةٍ دونيّةٍ تجعلهنّ معرّضاتٍ للإهانة اليوميّة. وغالبًا ما يصبحن معيلاتٍ لأسرهنّ بسبب فقدان الأب أو اضطراره للبقاء في المنزل بحجّة أنّه «لا يتحمّل الذلّ» أو لأنّ إيجاد عمل للأزواج هو مهمّةٌ شاقّةٌ. أمّا الفتيات فغالبًا ما يفتقرن إلى فرصةٍ لمتابعة الدارسة ويجبرن على الزواج المبكّر أو على الزواج الإجباريّ الذي يمكن ألّا يدوم لأكثر من استحقاق «قضاء وطر» ذلك الزوج الباحث عن المتعة، وقد يصبح معظمهنّ، مع أطفالهنّ، ضحايا للإتجار بالبشر.

وفي بحثٍ أجرته «رابطة النساء السوريّات» عن «العنف ضدّ النساء في النزاع المسلّح في سوريا» أشارت بعض اللاجئات إلى لبنان إلى «الزواج الهشّ» الذي يهدّد مستقبلهنّ بسبب عدم تسجيل الزواج رسميًّا والاكتفاء بالزواج «الشرعيّ» لدى الشيخ. وتحدّثت بعض اللاجئات عن حالات اضطرار بعض النساء الأرامل إلى الزواج بطريقةٍ غير رسميّةٍ سدًّا للحاجة الاقتصاديّة، ممّا أثّر على الأولاد، ولاسيّما المراهقين. وغالبًا ما تلجأ النساء المسجّلات بشكلٍ نظاميٍّ إلى مزيدٍ من الحمول، رغم جميع الظروف الاقتصاديّة والصحيّة السيّئة، لأنّ مفوّضيّة اللاجئين تزيد الإعانات عند ولادة مواليد جدد.

وإضافة إلى ما سبق ذكره تواجه السيّدات نقصًا في الخدمات عند الولادة فتلد بعض النساء اللاجئات في المنزل من دون قابلةٍ معتمدة، بينما تلد أخرياتٌ في حالةٍ طارئةٍ أو ترفض المستشفى إعطاءهم بلاغ الولادة لعدم تمكّنهنّ من دفع تكاليف الولادة.

وفي مصرَ، ومنذ أن توقّفت السلطات المصريّة عن استقبال اللاجئين السوريّين وفرضت تأشيرة دخول عليهم، اضطرّ عددٌ من اللاجئات السوريّات إلى مصرَ إلى الزواج بمصريّين لمواجهة مشكلات الإقامة والحياة اليوميّة.

وعلى الرغم من كلّ هذه المعاناة إلّا أنّ طريق العودة ما زال مملوءًا بالكثير من الصخور الصمّاء! وليس تأمين المنزل أو القوت اليوميّ العقبة الأبرز، فالكثير من اللاجئات مستعدّاتٌ لنصب خيامٍ مكان بيوتهنّ المهدّمة والعيش فيها، كما أنّهنّ مستعدّاتٌ للاكتفاء بالقليل من الطعام بعيدًا عن حياة اللجوء وإهاناتها. ومن كلِّ التحدّيات التي يمكن أن تواجه اللاجئات، والتي يعتقدن أنّ بمقدورهنّ مواجهتها، تبقى هناك مشكلتان كبيرتان تعيقان اللاجئات عن العودة إذا لم تحلّا: الخوف من الانتقام والخوف من أن يضطرّ الأبناء إلى حمل السلاح.

فكلّ من هرب من الموت خارج البلاد مدانٌ حتى يثبت العكس، هذا ما تعتقده اللاجئات! والهروب من الموت يعني تحدّي القاتل وتحدّي إرادته الكليّة باجتثاث قرى ومدنٍ كاملة. ليس مهمًّا هنا أن يكون الساكنون مشاركين في الانتفاضة أم لا، فالجميع، بحسب القاتل، ليسوا إلّا «حاضنةً شعبيّةً للإرهابيّين»، وإلّا فلماذا يهربون، ولماذا لم يبقوا في «حضن الوطن»؟! وطالما بقي هذا الخطاب مهيمنًا على الفضائيّات الحكوميّة فستظلّ تلك اللاجئات متمنّعاتٍ عن العودة، ليس خوفًا على حيواتهنّ فحسب، بل خوفًا على حيوات أحبابهنّ أوّلًا.

ويطرح عددٌ كبيرٌ من اللاجئات سؤالًا آخر: كيف يمكن أن أعود وما زال القتال دائرًا؟! أخاف أن يلتحق ابني أو زوجي بأحد أطراف النزاع، لا أريد لأحدهما أن يكون قاتلًا أو مقتولًا.

من جديد، تعود المفاضلة بين الحياة والموت لتصبح الفيصل بين العودة إلى البلاد، ولو للعيش في خيمةٍ، والبقاء في حياة اللجوء مع كلِّ عقابيلها.

ومع ذلك كلّه، يبقى حلم العودة عند اللاجئات السوريّات متعايشًا مع نبضات قلوبهنّ. فالعودة ليست عودةً عاطفيّةً إلى الوطن فحسب، على الرغم من أهمّيّتها، بل هي عودةٌ إلى الانتماء إلى مكانٍ وتاريخٍ من الذكريات السلبيّة والإيجابيّة، التي صنعت من كلّ واحدةٍ منهنّ شخصيّةً فريدةً رغم كلِّ التشابهات بينهنّ، ولاسيّما بعد تجربةٍ مريرةٍ في اللجوء، وقصّةٍ بطوليّة في تحدّي إرادة القاتل باغتيال إرادة الحياة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: