العودة المشروطة للنازحين السوريّين

0

منذ اللحظة الأولى للثورة، تعاملت سلطة الأسد مع المجتمع السوريّ كموبوءٍ يعالَج بالكيّ، حيث طبّقت تهديدها بالحرق (الوارد في شعارها “الأسد أو نحرق البلد”) حرفيًّا. إستراتيجيّةٌ يمكن وصفها عبر المصطلح بأنّها “العقاب الدمويّ للتأديب”. لذلك كان القتل، وتدمير الحواضر، والتهجير خطواتٍ مستمرّةً يقابلها إعادة السكّان حسب ولائهم، واستبعاد المعارضين وعائلاتهم إلّا من “يصالح” منهم، حيث باتت هذه “المصالحات” إمّا وسيلةً لنفيهم، أو لإجبارهم على حمل السلاح للدفاع عن سلطة الأسد.

وخلال متابعة “أصوات” لملفّ عودة النازحين، رصدت عودةً محدودةً ومشروطةً في آن؛ فقد شهدت أربع بلداتٍ في جنوبيّ دمشق عودةً للنازحين إلى بيوتهم وممتلكاتهم، وهي مخيّم “الحسينيّة”، وبلدة “الذيابيّة”، وبلدة “البحدليّة”، وبلدة ومخيّم “سبينة”. وشهد شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، عودة نازحين إلى محافظتي الرقة ودير الزور، ويعود هذا إلى تقليص المساحات التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلاميّة” (داعش). كما رصدت “أصوات”، مطلع كانون الثاني/ يناير الجاري، توافد عشرات السوريّين من أبناء مدينتي دير الزور والبوكمال النازحين عن مناطقهم إلى مبنى “الأمنيات” في مدينتي “أنطاكيا” و”أورفا” التركيّتين، لتسليم هويّاتهم المؤقّتة بغية العودة إلى سورية. إضافة إلى عودة بعض نازحي مدينة “الزبداني” إليها مؤخّرًا، وهي التي كانت قد شهدت موجات نزوحٍ عديدة، كان آخرها تهجير من بقي من مقاتليها مع عائلاتهم في 14 نيسان/ أبريل 2017، بموجب اتّفاق المدن الأربع (الزبداني  ومضايا  وكفريا والفوعة).

إضافة إلى هذا رصدت “أصوات” التجهيزات التي تقوم بها المؤسّسات الخدميّة داخل مدينة “داريا” في ريف دمشق تمهيدًا لعودة النازحين إليها، وهي تعمل تحت اسم “المكتب التنفيذيّ في مدينة داريا” التابع لسلطة الأسد. وأكّد ناشطون من “داريا” أنّ مدينتهم شهدت عودةً محدودةً للسكّان، ولاسيّما الأحياء الشرقيّة منها، بينما يقول آخرون إنّ المدينة لم تشهد عودةً لسكّانها، بل اقتصرت على زيارات بعض الأهالي لما تبقّى من ممتلكاتهم. يقول “أبو محمد” (50 عامًا) لمجلّة أصوات: “منذ إتمام الاتّفاق بين النظام والمعارضة لا نزال نقطن ضمن مركز إيواءٍ على أطراف مدينة حرجلة, ويقدّر عددنا بـــ800 شخصٍ. وتسمح لنا قوّات النظام بزيارة الأحياء الشرقيّة في المدينة شريطة المغادرة خلال مدّةٍ لا تتجاوز الساعتين وبمرافقة عناصر من قوّات النظام. أمّا الأحياء الأخرى فلا يسمح لأيّ مدنيٍّ بالدخول إليها، وما زلنا نتلقّى وعودًا، منذ مطلع العام الماضي، بالسماح لنا بالعودة”.

والمتتبّع لملفّ العودة يجد أنّ سلطة الأسد عقدت الكثير من المصالحات في خطوةٍ لإعادة هيبتها وفرض سيطرتها، ولو كان هذا ظاهريًا، إضافة إلى أنّها لا تريد أن يخرج هذا الملفّ من يدها؛ فالذي سيشرف على إعادة الإعمار سيكون له “حصّة الأسد” في الحياة السياسيّة. وبالنسبة إلى الجهات الأوروبيّة المموّلة أصبح حلّ مشكلة اللاجئين السوريّين لديها على قائمة أولويّاتها، وهي في حاجةٍ إلى حلولٍ إسعافيّة، وهو ما تستثمر فيه سلطة الأسد كونها الجهة الوحيدة في سورية إلى الآن المؤهّلة لإعادة الإعمار.

وغالبًا ما تمارس سلطة الأسد ممارساتٍ تعسّفيّةً بحقّ العائدين إلى مناطقهم، من اعتقالٍ وتضييقٍ وابتزازٍ ومحاولة زجّ الشباب بالقتال تحت قيادة الجيش أو إحدى الميليشيات التابعة لها. ومثال على هذا، ما حدث في محافظة دير الزور؛ حيث تسيطر سلطة الأسد والميليشيات التابعة لها على جميع القرى والبلدات الممتدّة على الضفّة “الشاميّة” من نهر الفرات في الريف الغربيّ لدير الزور، إضافة إلى سيطرتها على بعض القرى والبلدات في ضفّة “الجزيرة”. وقد فرضت سلطة الأسد شروطًا مقابل عودة السكّان المدنيّين إلى تلك المناطق. وأوّل هذه الشروط هي تسوية أوضاع الملاحقين أمنيًّا، الراغبين في العودة، لدى أجهزة النظام الأمنيّة، ثمّ التحاقهم بميليشيات “اللجان الشعبيّة”. أمّا بالنسبة إلى الشبّان المطلوبين لـ “الخدمة الإلزاميّة” فيراجعون شعب تجنيدهم ليتمّ فرزهم، ثمّ إلحاقهم بتشكيلات جيش الأسد. ويقول ناشطون إنّ القرار في هذا الشأن بيد قادة الميليشيات المموّلة إيرانيًّا.

كما اشترطت سلطة الأسد على الأسر العائدة إلى مناطق في جنوبيّ دمشق، في حال وجود أفرادٍ منها خارج القطر، الحصول على ورقةٍ مصدّقةٍ من دائرة الهجرة تثبت أنّهم غادروا بشكلٍ قانونيٍّ ومن خلال المعابر الرسميّة. وكذلك منعت العائلات التي ينتمي أحد أفرادها إلى فصائل المعارضة من العودة.

ومن الجدير بالذكر أنّ عائلاتٍ كثيرةً تُحسب على “المعارضة”، أحجمت عن العودة إلى منازلها، خوفًا من الملاحقة الأمنيّة. وهو ما أكّدته الناشطة الإعلاميّة، عائدة محمد، وهي شابّةٌ في الثلاثين من عمرها نزحت عن مدينة “الزبداني” نهاية عام 2015, واختارت اللجوء إلى لبنان نظرًا لوجود أقاربها هناك، والتي أفادتنا بما يلي: “كثيرٌ من المدنيّين يعودون إلى الزبداني في الآونة الأخيرة، إلّا أنّهم من الذين لم يتعرّضوا إلى أيّ ملاحقةٍ أمنيّة. لكن بالنسبة إلى المطلوبين أو الملاحقين أمنيًّا لم تسجّل أيّ حالة عودة. وموضوع عودة الملاحقين أمنيًّا من قبل قوّات النظام في الوقت الحاليّ يعدّ خطًّا أحمر. فعلى مدار الأعوام الماضية كلّ شخصٍ خرج ضدّ النظام يعلم أنّ النظام لا عهد ولا ميثاق له وبأيّ لحظةٍ يقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع”.

أخيرًا: إنّ تمكين سلطة الأسد من إعادة بناء المجتمع السوريّ في سياق إعادة بناء النظام يعني تمكينه من تنفيذ أوسع عمليّة عقاب و”إعادة تأديب” شهدها التاريخ، وبعدها لن يكون من المهمّ من سيكون على رأس هذا النظام، إنّما المهمّ هو تداعيات هذه الجريمة على الجنس البشريّ وحضارته. ولذلك فإنّ وقفَ هذه الجريمة هو مصلحةٌ للبشريّة جمعاء.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: