“اللائي ولدنَ الثورة”

قصصُ نجاحِ نساءٍ سوريّات في زمن الحرب

0

“شام” في النرويج

قرّرت السيّدة “نور ناصيف” من مدينة “مضايا” في ريف دمشق مع زوجها، بعد لجوئها إلى النرويج، افتتاح مطعمٍ ذي طابعٍ دمشقيٍّ هناك، بعد أن رفضت المساعدات التي قدّمتها الدولة النرويجيّة لها، ووجدت كمًّا هائلًا من النرويجيّين والأجانب الذين لا يعرفون شيئًا عن سورية، سوى الحرب.

لذلك أخذت على عاتقها تغيير تلك النظرة السلبيّة عن وطنها، وكان سلاحها هو صحنها ولقمتها الدمشقيّة التي تقدّمها.

بدأت فكرة المطعم من المنزل، ولكنّ الحكومة لم تسمح لها القيام بذلك لوجود عدّة شروطٍ صحيّةٍ يجب اتّباعها، وبعد مساعدة أصدقائها في “أوسلو” تمّ افتتاح مطعم “شام”.

تتنوّع أصناف الطعام من مقبّلاتٍ إلى أطباقٍ رئيسة، وفي المقابل يتعدّد روّاد المطعم، من سيّاحٍ إلى أجانبَ إلى عربٍ، وليصلَ إلى السوريّين ليجمعهم ذلك الطبق المليء بالحبّ.

تعمل “نور” كمديرةٍ للمطعم وكـ “شيف”، بمساعدة زوجها وأختها وزوج أختها أيضًا، وهذا ما يجعل العمل أكثر متعةً وحيويّة.

تقول “نور” إنّ الحجاب لم يمنعها من متابعة العمل والتعاطي مع النرويجيّين، بل على العكس ازدادت محبّة الناس لها بعد أن وجدوها شخصًا معطاءً ومحبًّا وغير متعصّبٍ، كما يروّج بعض الأشخاص بهدف التفرقة، وتقول إنّ العمل هو أساس الحياة والله يبارك به وبصاحبه، لذا من واجبها العمل وعدم الجلوس والكسل، وهو ما يفرض احترام وهيبة السيّدة في المجتمع المحيط.

كما لاحظت السيّدة “نور” إقبال النرويجيّين على سماع القصص المتعلّقة بسورية ما قبل الحرب منها، ولاسيّما عندما يسألونها عن معنى اسم المطعم “شام”.

بعد أن رأت “نور” المجتمع السوريّ المتفاعل والمجتهد بكلّ ما أوتي من قوّة، يدبّ في قلبها الحزن على ما يفعله النظام السوريّ بأبناء سورية، لأنّ هذه الطاقة اللامتناهية ظهرت بعدما توفّرت لها بيئةٌ خصبةٌ من الحرّيّة، ولاسيّما حرّية المعتقد، حيث إنّ “نور” تعدُّ الطعام الحلال فحسب لجميع الزبائن؛ وهذا ما جعلها محبوبةً أكثر في مجتمعها، لأنّها لم ترفض هويّتها بل أصرّت على مبادئها، وكلّ ذلك بدعمٍ من أحبّائها وأهلها وعائلتها وأصدقائها.

تأملُ نور ذات الـ (39) عامًا العودة إلى بلادها التي أنهكتها الحرب، لكي تستطيع إعادة إعمارها مع أبناء هذا الشعب العظيم الذي لم يستسلم قط لا للحرب ولا للنزوح.

“الكوتش سوسن” السيّدة التي لا تعرف المستحيل

خرجت من قريةٍ صغيرةٍ في ريف إدلب إلى لبنان في عام 2012، بعد اعتقال زوجها، حيث اضطرّت إلى اللجوء من دون أطفالها، وقرّرت محاربة العادات والتقاليد التي تمنع النساء من العمل والخروج من المنزل.

بدأت “سوسن” سلسلة تدريباتٍ مختلفةٍ في لبنان، محاولةً الحصول على أيّ فرصةٍ لمساعدة أبنائها في الخروج من سورية وتأمين المبلغ لهم؛ فانتقلت من متدرّبةٍ للأعمال اليدويّة في إحدى الورشات إلى مدرّبةٍ معتمدةٍ من المجلس النرويجيّ للاجئين، حيث أقيم لها عدّة معارضَ حضرها العديد من الأشخاص المهمّين. وكلّ هذا لم يثنِها عن العمل والاجتهاد لتطوير نفسها، كما عملت أيضًا على تطوير مهاراتها في مجال الإسعافات الأوّليّة لمساعدة من تعرفهم مجّانًا.

وبدأت بعدها بكتابة المشاريع بعد عدّة تدريباتٍ خاصّةٍ ومكثّفةٍ عندما رأت نفسها قادرةً على مساعدة الأشخاص من حولها وتلبية احتياجاتهم. ثمّ تقدّمت إلى طلب الحصول على تدريبٍ مع منظّمة Right To Play  بعدما علمت أنّها تقدّم تدريباتٍ خاصّةً بتنمية مهارات الأطفال عبر كرة القدم.

كان لدى “سوسن” هدفٌ واضحٌ على الرغم من حرمانها من التعليم في الصغر، إلّا أنّها أبت أن تفوّت أيّ وسيلةٍ لتطوّر نفسها، فهي الآن مدرّبةٌ معتمدةٌ لكرة القدم، ومدرّبةٌ للمهارات الحيويّة. وهي ترى أنّ الإصرار هو جزءٌ لا يتجزّأ من حياتها، وأنّ هذه القوّة التي أُعطيت لها لا بدّ أن تستغلّها في الخير والعطاء، وإن لم تكن من أصحاب الشهادات العليا.

كانت “سوسن” تنظّم عملها خارج المنزل وداخله بالتعاون مع أطفالها، حيث تصرّ على تعويدهم على تحمّل المسؤوليّة منذ صغرهم كي لا يضطرّوا إلى احتياج أحد في كبرهم.

تقول “سوسن” إنّ لكلّ فعلٍ ردّة فعل، وأنّ عملها من دون مقابل لمساعدة الناس هو ما انعكس عليها، حيث إنّها الآن تجدُ نفسها مثالًا للمرأة المكافحة والطموحة التي تحدّت كلّ الظروف لتصل إلى ما تريده، حيث إنّها لن تقف عند ذاك الحدّ بل ستستمرّ بتطوير نفسها وتعزيز مهاراتها ودعم النساء والفتيات في محيطها حتى لا يكنّ في موضع ضعفٍ بل يعتمدن على أنفسهنّ بشكلٍ كاملٍ، وهي الآن أمٌّ لرسّامةٍ موهوبةٍ تدعى “آية” وقد استُضيفت في عدّة برامجَ حواريّةٍ شبابيّة.

تعمل الآن “سوسن” كمدرّبةٍ ريّاضيّةٍ لكرة القدم لعدّة فئاتٍ عمريّة، هذا الأمر الذي لم يعتدنه النساء قبلًا نظرًا لاحتكار هذا العمل على الرجال فحسب.

(أن أُثبت نفسي من أنا وما هي هويّتي السوريّة، أنّنا دعاة سلام لا دعاة حرب، نحن أصحاب حضارةٍ راقيةٍ وساميةٍ بعيدةٍ عن الدم) من أسمى أهداف “سوسن” و”نور” وغيرهنّ من النساء السوريّات المناضلات.

يبدو أنّ السوريّات، رغم بشاعة ظروف الحرب، لم ولن يقفن عند حدّ الألم والضعف، بل تجاوزنه ليلدن الثورة بأناملهنّ الجميلة الحنونة، ويصنعن جيلًا قادرًا على تحدّي جميع الظروف والصعوبات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: